ابن ميثم البحراني
168
شرح نهج البلاغة
فَيُقَالَ هُوَ فِيهَا كَائِنٌ - ولَمْ يَنْأَ عَنْهَا فَيُقَالَ هُوَ مِنْهَا بَائِنٌ - لَمْ يَؤُدْهُ خَلْقُ مَا ابْتَدَأَ - ولَا تَدْبِيرُ مَا ذَرَأَ ولَا وَقَفَ بِهِ عَجْزٌ عَمَّا خَلَقَ - ولَا وَلَجَتْ عَلَيْهِ شُبْهَةٌ فِيمَا قَضَى وقَدَّرَ - بَلْ قَضَاءٌ مُتْقَنٌ وعِلْمٌ مُحْكَمٌ - وأَمْرٌ مُبْرَمٌ الْمَأْمُولُ مَعَ النِّقَمِ - الْمَرْهُوبُ مَعَ النِّعَمِ أقول : المثاور : المواثب . والداخر : الذليل ، وآده الأمر : أثقله . وذرء : خلق . والمبرم : المحكم . وقد اشتملت هذه الخطبة على مباحث لطيفة من العلم إلالهيّ أيضا لا يطَّلع عليها إلَّا المتبحّرون فيه . الأوّل : الَّذي لم يسبق . إلى قوله : باطنا . أقول : إنّه لمّا ثبت أنّ السبق والمقارنة والقبليّة والبعديّة أمور تلحق الزمان لذاته وتلحق الزمانيّات به ، وثبت أنّه تعالى منزّه عن الزمان إذ كان من لواحق الحركة المتأخّرة عن وجود الجسم المتأخّر عن وجود اللَّه سبحانه كما علم ذلك في موضعه لا جرم لم تلحق ذاته المقدّسة ومالها من صفات الكمال ونعوت الجلال شيء من لواحق الزمان . فلم يجز إذن أن يقال مثلا كونه عالما قبل كونه قادر وسابقا عليه ، وكونه قادرا قبل كونه عالما ، ولا كونه أوّلا للعالم قبل كونه آخرا له قبليّة وسبقا زمانيّا . بقي أن يقال : إنّ القبليّة والبعديّة قد تطلق بمعان أخر كالقبليّة بالشرف والفضيلة والذات والعليّة ، وقد بيّنا في الخطبة الأولى أنّ كلّ ما يلحق ذاته المقدّسة من الصفات فاعتبارات ذهنيّة تحدثها العقول عند مقايسته إلى مخلوقاته ، وشئ من تلك الاعتبارات لا تتفاوت أيضا بالقبليّة والبعديّة بأحد المعاني المذكورة بالنظر إلى ذاته المقدّسة فلا يقال مثلا هو المستحقّ لهذا الاعتبار قبل هذا الاعتبار أو بعده وإلَّا لكان كمال ذاته قابلا للزيادة والنقصان ، بل استحقاقه بالنظر إلى ذاته لمّا يصحّ أن يعبّر لها استحقاق واحد لجميعها دائما فلا حال يفرض إلَّا وهو يستحقّ فيه أن يعتبر له الأوّليّة والآخريّة معا استحقاقا أوّليا ذاتيّا لا على وجه الترتّب